الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

86

مختصر الامثل

ويعرض القرآن وثيقة أخرى لإدانة اليهود ولكشف زيف ادعائهم فيقول : « وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُّوسَى بِالبَيّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ » . ما هذا الانحراف نحو عبادة العجل بعد أن جاءتكم البينات إن كنتم في إيمانكم صادقين ! في الآية الثالثة يطرح القرآن وثيقة إدانة أخرى ، فيشير إلى مسألة ميثاق جبل الطور ويقول : « وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا ءَاتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا » . وما كان عصيانهم إلّاعن انغماس في حب الدنيا الذي تمثل في حب عجل السامري الذهبي : « وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهمْ » ولذا نسوا اللَّه عزّ وجلّ ؟ كيف يجتمع الإيمان باللَّه مع قتل أنبيائه وعبادة العجل ونقض العهود والمواثيق الإلهيّة المؤكدة ؟ أجل « قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ » . قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 94 ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ( 96 ) فئة مغرورة : يبدو من تاريخ اليهود - مضافاً لما أخبر القرآن عنه - أنّ هؤلاء القوم كانوا يعتبرون أنفسهم فئة متميزة في العنصر ، ومتفوقة على سائر الأجناس البشرية ، وكانوا يعتقدون أنّ الجنة خلقت لهم لا لسواهم ، وأنّ نار جهنم لن تمسّهم ، وأنّهم أبناء اللَّه وخاصته ، وأنّهم يحملون جميع الفضائل والمحاسن . والقرآن الكريم يجيب هؤلاء القوم جواباً دامغاً إذ يقول : « قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْأَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُم صَادِقِينَ » . لقد كان اليهود يهدفون من كلامهم هذا وأنّ الجنة خالصة لنا دون سائر الناس : أو أنّ النار لا تمسّنا إلّاأيّاماً معدودات - إلى توهين إيمان المسلمين وتخدير عقائدهم . في الآية التالية تأكيد على ما سبق بشأن ابتعاد القوم عن الموت : « وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا